القرطبي
77
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض ) يعنى كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى فيتعظوا ، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم . ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الاذن . وقد قيل : إن العقل محله الدماغ ، وروى عن أبي حنيفة ، وما أراها عنه صحيحة . ( فإنها لا تعمى الابصار ) قال الفراء : الهاء عماد ، ويجوز أن يقال فإنه ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، والمعنى واحد ، التذكير على الخبر ، والتأنيث على الابصار أو القصة ، أي فإن الابصار لا تعمى ، أو فإن القصة . ( لا تعمى الابصار ) أي أبصار العيون ثابتة لهم . ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) أي عن درك الحق والاعتبار . وقال قتادة : البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة ، والبصر النافع في القلب . وقال مجاهد : لكل عين أربع أعين ، يعنى لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه لدنياه ، وعينان في قلبه لاخرته ، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا ، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا . وقال قتادة وابن جبير : نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى . قال ابن عباس ومقاتل : لما نزل : " ومن كان في هذه أعمى " ( 1 ) [ الاسراء : 72 ] قال ابن أم مكتوم : يا رسول الله ، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى ؟ فنزلت : " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " . أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الاسلام فهو في الآخرة في النار ) . قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ( 47 ) قوله تعالى : ( ويستعجلونك بالعذاب ) نزلت في النضر بن الحارث ، وهو قوله : " فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين " ( 2 ) [ الأعراف : 70 ] . وقيل : نزلت في أبى جهل بن هشام ، وهو قوله : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " ( 2 ) [ الأنفال : 32 ] . ( ولن يخلف الله وعده ) أي في إنزال العذاب . قال الزجاج : استعجلوا العذاب فأعملهم الله أنه لا يفوته شئ ، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر .
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 298 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 237 وص 398 .